نماذج في (العرض)

يمكن بعد الذي تقدم تناول مجموعة من الأحاديث وعرضها على القرآن لنتعرف على سندها القرآني، الذي تمثله آيات ظاهرة أو آيات مؤلفة، فهي نماذج تستهدف إيضاح عملية استنباط/عرض الأحاديث.

النموذج (1):

الحديث القدسي المتقدم: «ان من عبادي من يتصدق بشق تمرة فأربيها له كما يربي أحدكم فلوه حتى اجعلها له مثل أُحد».

يمكن ان نرجع الحديث إلى القرآن ونتتبع الآيات التي تمثل السند القرآني له، فالحديث يتحدث عن الإنفاق ومضاعفة الله الصدقة، وسند هذه الفكرة في قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم)261/2، ويحدد حجم الصدقة المتصدق بها قوله تعالى: (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة الا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)121/9، هذه النفقة تتعين بالصدقة، في قوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات)276/2. فالآيات تتصل بعضها ببعض من خلال بحثها لموضوع واحد هو الإنفاق، ووحدة هذه الآيات في الموضوع يدل عليها التناظر اللفظي والمعنوي، فالآية الأولى والثانية مرتبطتان بالتناظر في «نفق»، وترتبطان بالثالثة بالتناظر المعنوي المتمثل في الترادف بين ( انفق: تصدق )، وعلى ضوء ذلك يمكن القراءة تأويلا: ”ولا يتصدقون بصدقة صغيرة ولا كبيرة إلا كتبها لهم، مثل الذين يتصدقون بأموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم، يربي الله الصدقات ليجزيهم أحسن ما كانوا يعملون” لقد قام الإمام الصادق بالتعبير عن الصدقة الصغيرة بشق تمرة، ومثال الحبة التي أنبتت سبع سنابل في كل منها مئه حبة، أبدله بمثال التمرة التي يربيها الله كما يربى أحدكم فلوه لتصبح مثل جبل أُحد. بذلك يكون الإمام الصادق قد عبّر عن فكرة الآية بعبارة أخرى، وأبدل المثال الذي ضربته الآية بمثال مرادف، وبدل أن يروي العبارة عن لسان الرسول، صاغها ليرويها كحديث قدسي عن الله سبحانه.

النموذج (2):

قال رسول الله(ص): «إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم»[46].

نجد سند الحديث في الآية النظيرة: (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا ولاخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين)112-114/5، فالمائدة تؤوّل بالقرآن للتناظر بين: (أنزل علينا مائدة)، وقوله: (نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، فأصبح القرآن مائدة الله. وعيسى بن مريم في الآية مؤول بالرسول محمد(ص) للتناظر بين قوله: (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله)171/7، وقوله: (محمد رسول الله)29/48، فأسماء الأنبياء تؤول إلى بعضها. وطعام المائدة الذي تشير أليه الآية: (نريد ان نأكل منها وتطمئن قلوبنا)113/5، مؤول بالحديث عن الباقر (ع) في قول الله عز وجل: (فلينظر الإنسان إلى طعامه)24/80، قال: إلى علمه الذي يأخذه ..، مؤولا الطعام بالعلم. ولقوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)286/2، كانت قدرات البشر في كل شيء متفاوتة، ومن جملتها قدرتهم على استيعاب العلم. فأصبحت جملة تلك النصوص تؤلف الحديث التالي:

«القرآن مائدة الله، فكلوا من مائدته كل بقدر سعته»، هذه العبارة ترادف عبارة الحديث قيد البحث.

النموذج(3):

قال رسول الله (ص): «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخراب»[47].

في قوله: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه رجال)، سمت الآية الرجال بيوتا، ويصادق على هذه التسمية قوله تعالى: (الذين اتخذوا من دون الله أولياء مثلهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً)41/29، فالتناظر بين طرفي الآية في (أخذ) من جهة، وسياق الآية من جهة أخرى، يفرض الترادف بين الأولياء والبيوت. من جانب آخر أطلق الله على القرآن اسم  (نور) في قوله تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)15/5. فترتب على ذلك، ان الرجال عندما يهجرون القرآن، يكونون بمثابة البيوت التي هجرها النور، وهي الهجرة التي قال عنها الله: (يارب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)30/25، ولا يهجر النور البيوت إلا ان تكون خرائب، وهو الحديث.

النموذج (4):

قال رسول الله (ص): «لا ينبغي لصاحب القرآن؛ ان يحّد مع من حدّ، ولا يجهل مع من يجهل، وفي جوفه كلام الله»[48].

بإرجاع الحديث إلى قوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)17/9، يتبين ان صفة الأقوم تعبر عن منهج الوسطية في الحياة، يطرد في كل إرجائها، نموذج لذلك يرد في قوله: (الذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)25/67، فالسلوك القويم هو الفضيلة الواقعة بين رذيلتين، هما الإفراط والتفريط. كما في مثال الآية التي تشير إلى الاقتصاد في الإنفاق الواقع بين رذيلتي البخل والإسراف. فقوام الأخلاق تمثلها الأخلاق الوسيطة، التي تشمل اللسان كما في الآية النظيرة: (وأقوم قيلا)، فالأخلاق القويمة للسان تكفه عن أن يجهل، وتعفه عن أن يحد، فصاحب القرآن يتحلّى بخلق القرآن العادل الذي لا يجعله يحد مع من يحد، أو يجهل مع من جهل.

النموذج (5):

الحديث المروى عن الباقر (ع): «ان الله برأ محمداً (ص) من ثلاث: ان يتقوّل على الله، أو ينطق عن هواه، أو يتكلف»[49].

والبحث عن نظائر الحديث يهدينا إلى قوله: (لو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذناه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين)44/69. وهي الآية التي تنفي التقول عن رسول الله. ونعثر على قوله: (ما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى)3/53. وهي الآية التي تنفي ان ينطق عن الهوى، وهذه الآية كما تبرئه من الهوى، تبرئة من التقوّل، باعتبار ان التقول جذوره الهوى. ونكتشف قوله: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين)86/38، وهي تنفي التكلف عن الرسول (ص). فهذه الآيات الثلاث تنزه الرسول من الصدور عن غير إملاءات الوحي، فالذي يصدر عن الهوى يمكن ان يتقوّل، والمتقوّل هو المتكلف، اذ تكلف ما ليس له، ففكرة هذه الآيات صاغها الباقر (ع) في عبارة شاملة جعلت من هذه الأفكار القرآنية حديثاً نبوياً.

النموذج(6):

قال الإمام علي (ع): «الناس أعداء ما جهلوا»[50].

ويمكن إرجاع الحديث للآية: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) 39/10، والتكذيب يؤول بالكفر لقوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك لهم عذاب مهين)57/2، ويمكن القراءة تأويلا: ”وكفروا بما لم يحيطوا به علماً”، والكفر يؤول إلى العداوة لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق)1/60، فيتضح ان الكافرين هم أعداء الله والمؤمنين، وعلى ضوء ذلك يمكن القراءة تأويلا: ”وعادوا ما لم يحيطوا به علماً ”، ولما كان الكفار هم الناس كما في قوله تعالى: (الذين قال لهم ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)، فالناس الأولى في الآية يقصد منها المنافقون، والثانية يقصد منها الكفار، أمكن تحويل الضمير في كفروا:”وكفروا  بما لم يحيطوا به علما”، إلى الاسم الصريح أي (كفر الناس )، وعلى ضوء ذلك نقرأ تأويلا: ”وعادى الناس ما لم يحيطوا به علماً”، هذه النتيجة عبّر عنها الإمام علي (ع) في الحديث: «الناس أعداء ما جهلوا»، حيث ما جهلوا هو ما لم يحيطوا به علماً.

النموذج (7):

قال الرسول (ص): «لا تسبوا الشيطان وتعوذوا منه»[51].

نجد سند هذا الحديث في قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم)108/6، وهذه الآية يمكن فهمها على ضوء الآية المحكمة: (وان يدعون إلا شيطاناً مريدا)117/4، حيث الذين يدعون من دون الله، إنما يدعون شيطانا مريدا، وعلى ضوء ذلك يمكن التأليف بينهما، كالتالي: ”ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله شيطاناً مريداً فيسبوا الله عدوا بغير علم ”، فالمعنى ان سبّكم أيهّا المؤمنون لمن يدعون من دون الله بلحاظ ما يدعونه يؤدي إلى سب الله، كما في ذلك تحويل للخطاب الدعوى إلى خطاب انفعالي، وفيه خروج عن ضوابط العقل والحكمة، التي أمروا بالتزامها في الدعوة. يضاف إلى هذا ما يكمل فكرة الحديث: (وقل ربي أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ربي ان يحضرون)97/23، فالآية الأولى تنهي عن سبّ الشيطان، والآية الثانية تدعو للتعوذ منه، والى هذا التأليف من الآيات يستند الحديث.

النموذج (8):

قال الإمام: «الدنيا ساعة فاجعلها طاعة»[52].

نجد سند هذا الحديث من القرآن في قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة)60/30، وهذا القسم بأنهم ما لبثوا إلا ساعة ليس خطأً منهم؛ إذا ما لحظنا قولهم على ضوء قوله تعالى: (ان يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون)47/22، ففي المقارنة بين زمن الدنيا وزمن الآخرة يدركون الحقيقة: (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)38/9، فإذا اعتبرنا اليوم هو النهار كما في قوله: (سخرها عليهم سبع ليالي وثمانية أيام)69/7، حيث اليوم أطلق على النهار، وإذا اعتبرنا النهار 12 ساعة (إذا ما تساوى الليل والنهار)، فإن تقسيم ألف سنة مدة اليوم (: النهار ) الأخروي على 12 ساعة، ينتج ان الساعة تساوي 83 سنة، مما يعني ان الإنسان الذي يمكث في الدنيا 83 سنة، كأنه قد مكث في معيار الزمن الأخروي ساعة من نهار. وهذه النتيجة نجدها حاضرة في قوله: (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار)45/10، فالخلاصة: ان متوسط عمر الإنسان كفرد يتفاوت من بلد لأخر بين الزيادة والنقصان، وهو ما يمكن إبرازه بتقسيم الألف على ساعات اليوم (النهار ) التي تتفاوت بين فصول السنة بالزيادة والنقصان، ويبقى المتوسط في بعض البلاد 83 سنة، وهي ساعة من نهار الزمن الأخروي، ليتبين ان عمر الإنسان ما هو الا ساعة من الزمن الأخروي، من جهة أخرى يطالب الله عباده بالقول: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)59/4، فالله يدعو الإنسان ان يجعل ساعة عمره الدنيوي ساعة طاعة.

النموذج(9):

«نعم الجرعة الغيظ لمن صبر عليها، فإن عظيم الأمر لمن عظيم البلاء وما أحب الله قوماً الا ابتلاهم»[53].

نجد سند هذا الحديث من القرآن في قوله: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)128/3، وهي الآية التي يفسرها قوله: (وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين)146/3، ويمكن القراءة تأويلا بالإكمال: ”والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين”، فهم ما ضعفوا أمام أنفسهم حين غضبوا من جراء ما أصابهم، فكان صبرهم على ما أصابهم استجابة لقوله: (واصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الأمور)12/13، (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون)20/25، إلا ان التحلي بصفة الصبر، والحلم، وكظم الغيظ صفة عزيزة، ليس من السهل الحصول عليها، كما يقول تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاه الا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)، وتقودنا هذه الآية إلى قوله تعالى: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)141/7، ثم إلى قوله: (وان الله عنده أجر عظيم)28/8، ليتبين ان الحلم وكظم الغيظ هو بلاء عظيم، لذلك يكافئ الله عليه بالأجر العظيم، مما يدل على ان الله حينما يحب الإنسان ويريد ان يعظم أجره، يعظم له البلاء، حيث يجزي الإنسان على أعماله: (جزاء بما كانوا يعملون)24/56.

والخلاصة: ان الصابرين جاهدوا أنفسهم فذللوها، فامتلكوا أزمة أنفسهم وهم يواجهون دواعي الغضب، فصار عظيم بلاءهم بكظم الغيظ، سبب لعظيم أجرهم.

والنموذج(10):

عن الإمام الصادق عن آبائه ان النبي (ص) قال: «ارحموا عزيز قوم ذل، وغنياً افتقر، وعالماً ضاع في زمان جهال»[54].

نبدأ عرض الحديث بإرجاعه إلى الآية النظيرة كمطلع: (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة)34/27، ونحدد مفهوم (أعزة أهلها) من خلال قوله: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)8/63، فيتعين (المؤمن) كاسم للـ(عزيز). والموقف من المؤمن تحدد بقوله: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)54/5، فهذه الآية تعين (المؤمن) كاسم للـ (ذليل) حيث ذلة المؤمن للمؤمن هي الرحمة المتبادلة بينهما، كما يتضح ذلك بقوله: (أشداء على الكفار رحماء بينهم)29/48، فالمجتمع في ظل الإسلام مطالب فيه الأفراد ان يذلوا لبعضهم البعض، فيرحم المؤمن (: العزيز) أخاه المؤمن (: الذليل)، أي ان يقف المجتمع من العزيز الذي ذل موقف الراحم.

وإرجاع الحديث في قوله: «ارحموا غنياً افتقر» إلى قوله تعالى: (ان يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله)23/24، ثم نفسرها بقوله: (ان كان ذو عسرة (أي الفقير) فنظرة إلى ميسرة (أي حتى يستغني))280/2، ليتبين ان الغني الميسور الذي افتقر فأصبح ذا عسرة تمنعه من تسديد ديونه، تطالب الآية رحمته بانظاره إلى ميسرة فيها يغنيه الله من فضله، ويستطيع سداد ما عليه من ديون، فهذا الإمهال وجه من وجوه رحمته. كما ان الغني الذي افتقر هو مظهر من مظاهر العزيز الذي ذل.

قول الحديث: «ارحموا عالماً ضاع في زمان جهال»، نجد مثال ذلك الأنبياء فهم علماء أقوامهم، يشهد على ذلك قول أحدهم: (إني أعلم من الله ما لا تعلمون)، في الوقت الذي يصف النبي قومه: (ولكني أراكم قوما تجهلون)29/11، (بل أنتم قوم تجهلون)23/46، فصار النبي في قومه مثال العالم في زمن جهال، ونجد مثلاً يتجلى فيه ضياع أولئك العلماء في أقوامهم الجهال، بما يتعرضون إليه من استهزاء: (ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون)11/15، حيث الاستهزاء صفة للجهال يدل على ذلك قوله: (قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله ان أكون من الجاهلين)67/2، ونجد نموذجا تمثيليا لضياع العلماء بين جهال أقوامهم، بما تعرضوا له من استخفاف، فيما يحكي القرآن عن نوح وقومه: (قال ربي اني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، واني كلما دعوتهم لتغفر لهم، جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا  ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكباراً (...) ما لكم لا ترجون لله وقارا)3-5/87، حيث صورة استغشاء الثياب ووضع  الأصابع في الآذان، وما يصاحب ذلك من الضحك أو الشتم كمظاهر للاستكبار (واستكبروا استكبارا)، أطاحت بوقار نوح الاجتماعي، وهو ما عبر عنه قوله: (ما لكم لا ترجون لله وقارا) حيث توقيرهم الله سبحانه يؤول إلى توقيرهم لرسوله، بينما هم استخفوا بنوح كعالم، وبذلك استخفوا بالله، ليكون العالم بين الجهال مثال العزيز الذي ذل، فهو مشمول بالبيان المتقدم المطالب برحمة عزيز ذلّ.

هذه المجموع من الآيات تمثل السند القرآني، الذي صاغ منه الإمام الصادق الحديث الذي رواه عن الرسول (ص).

النموذج (11):

«إن العالم اذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزل المطر من الصفا»[55].

اذا ما رجعنا بالحديث إلى النظير المطلع: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا)264/2، وقمنا بالتصريفات اللازمة فيها كما يملي ذلك نظائرها، يمكن ان نتوصل إلى الآية التركيبية، فأول تلك النظائر هو قوله: (وآتوهم من مال الله)33/24، التي فيها المال يؤول إلى قوله: (وقال الذين أوتوا العلم)80/28، فالمال مؤول بالعلم، بحيث يمكن القراءة: ”كالذي ينفق علمه رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا”، ثم بالرجوع إلى النظير: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة)74/2، حيث الصفوان هو الحجارة التي تؤول هنا بالقلوب، مما يخولنا القراءة بالإبدال التعويضي: (كالذي ينفق علمه رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل قلب عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا)، ثم بالرجوع بقوله: (وقال الذين أوتوا العلم)80/28، إلى قوله: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم)188/3، أي الذين أوتوا العلم، المفسرين بالمرائين من العلماء، الذين يفرحون بما أوتوا من علم لا يعملون به، لا تحسبنهم بمفازة من العذاب، ثم بالرجوع إلى قوله: (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم ترى أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون)224-226/26، فتطلق هذه الآية على أولئك المراءون من العلماء اسم الشعراء، وتؤكد على اشتغالهم بالقول دون العمل، أي انهم يعيشون العلم على مستوى الشعارات، وعلى ضوء هذه المستجدات من النظائر يمكن القراءة: ”والشعراء الذي ينفقون علمهم رئاء الناس، الذين يقولون ما لا يفعلون، والذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ولا يؤمنوا بالله واليوم الآخر فمثله كمثل قلب عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا”، ويمكن إجراء تقديم وتأخير في نهاية الآية لنقرأ: ”فمثل علمهم كمثل وابل أصاب قلبا عليه تراب فتركه صلدا”، ويفسر الوابل بقوله: (وأنزلنا من السماء ماء)10/31، حيث الماء يتعين بعلم الكتاب أو مطلق العلم باعتبار الكتاب فيه تبيان كل شيء: (هو الذي أنزل عليك الكتاب)7/3، وبناء على هذه النظائر يمكن القراءة: ”والشعراء الذي ينفقون علمهم رئاء الناس، الذين يقولون ما لا يفعلون، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ولا يؤمنوا بالله واليوم الآخر فمثل علمهم كمثل وابل أصاب قلبا عليه تراب فتركه صلدا”. وعدم إيمانهم بالله واليوم الأخر ليس هو إخراج لهم من الدين بالمطلق، وانما يدل على تدنس إيمانهم، كما يقول تعالى: (فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون)6-7/41، فعرفت الآية المشركين بانهم لا يؤتون الزكاة، أي انهم بالآخرة كافرون، وهذا مؤول بقوله: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)106/12، ويمكن على اثر ذلك تطوير القراءة السالفة كالتالي: ”والشعراء الذي ينفقون علمهم رئاء الناس، الذين يقولون ما لا يفعلون، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، فمثل علمهم كمثل وابل أصاب قلبا عليه تراب فتركه صلدا”، فهذه الآية الناتجة تأويلا هي سند الحديث قيد العرض، بل الآية تبرز أكثر مما جاء به الحديث.

النموذج (12):

«إذا شبعت البطنة نامت الفكرة»[56].

يمكن اعتبار الآية النظيرة التالية مطلعا: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا)7/31، ليتبين ان النهي في الآية يطال الإسراف في المأكل والمشرب، ثم نرجع إلى الآية النظيرة: (أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ان كنت قوماً مسرفين)5/43، والتي يمكن ان نقرأها بالتكامل مع الآية الآنفة: ”أفنضرب الذكر عنكم صفحاً ان كنتم قوماً مسرفين في المأكل والمشرب”، و(الذكر) في الآية يؤول بقوله: (انما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب)11/36، ثم بإرجاع هذه الأخيرة إلى الآية المحكمة: (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب)33/50، لتحكم لنا الذكر في القلب أي العقل لقوله: (لهم قلوب لا يفقهون بها)، ولذلك يمكن تلاوة الآية بعد نسخها نسخ تلاوة كالتالي: ” أفنضرب القلوب عنكم صفحاً فلا تفقهون ان كنتم قوماً مسرفين في المأكل والمشرب”، ففكرة هذه الآية في وجهها المستجد هي التي عبرت عنها عبارة الحديث قيد العرض والبحث.

الخلاصة: نلاحظ في هذه النماذج كيف تتم عملية العرض فهي تنطلق بالاعتماد على منطق المماثلة، لنقيس الحديث على آيات الكتاب، فنحدد الآية التي تمثل (المطلع)، أي مطلع البحث، ثم ننطلق بالبحث عن نظائر تلك الآية، لنشكل من تلك النظائر وامتداداتها الفتوى (الرؤية)، التي تمثل موضوع الحديث، وقد نتوسل بأكثر من مطلع فنعمل على أكثر من اتجاه في بحث موضوع الحديث، للتوصل العاجل إلى الفتوى، ولاحظنا كيف ان الحديث تارة يجمع فكرته من ظاهر النص القرآني، من آيات يحتوي ظهرها على أفكار جاهزة، تجمع إلى بعضها فيتكون منها الحديث، وتارة أخرى كيف أن الأفكار تستنبط من باطن القرآن، بعملية مقارنة تتولد الأفكار في المسافة البينيّة، التي تخلقها عملية المقارنة، لتكون تلك الأفكار وليدة التركيب بين الآيات. كما لاحظنا ان الحديث ما هو الا الفكرة، التي نعبر بها عن الآية القرآنية المفردة، أو الآية القرآنية المتراكبة تأويلا، وان إعادة استنباطنا لفكرة الحديث تكشف لنا إمكانية صوغ عبارة الحديث بطرق أخرى، مع إضافات تكشف عنها التراكيب القرآنية، التي تمثل البنية الخلفية التي يستند إليها الحديث، وبهذا نلاحظ كيف شكل التأويل الخلفية النظرية والمنهجية المنطقية، التي كانت تكمن وراء إنتاج الأحاديث عند رجال الوحي الأوائل، فكانت تلك الأفكار القرآنية المستنبطة بعبارة من إنشائهم تمثل أحاديث، وهي التي يتم عرضها بالطريقة ذاتها التي استنبطت بها، لتدل عملية العرض على قدرة أولئك على إنتاج الأحاديث، مما يلقي الضوء على منشأ تسميتهم بالمحدثين فهي تسمية لا تعبر عن اشتغالهم بجمع الحديث وروايته فحسب، بل لاستنباطهم وعرضهم الأحاديث، عن طريق تأويل القرآن ونصوص الأحاديث، والتأليف فيما بينها لإنتاج أحاديث جديدة، وإعادة إنتاج الأحاديث المعروضة.